محمد بن جرير الطبري

380

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

مجاهد : فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده حينئذ ، يقول الذين آمنوا : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم ، إنهم لمعكم ، حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين . كذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير واو . وقرأ ذلك بعض البصريين : ويقول الذين آمنوا بالواو ، ونصب يقول عطفا به على فعسى الله أن يأتي بالفتح . وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول : إنما أريد بذلك : فعسى الله أن يأتي بالفتح ، وعسى يقول الذين آمنوا . ومحال غير ذلك ، لأنه لا يجوز أن يقال : وعسى الله أن يقول الذين آمنوا ، وكان يقول : ذلك نحو قولهم : أكلت خبزا ولبنا ، وكقول الشاعر : ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا فتأويل الكلام على هذه القراءة : فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين ، أو أمر من عنده يديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم ، فيصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ : هؤلاء الذين أقسموا بالله كذبا جهد أيمانهم إنهم لمعكم . وهي في مصاحف أهل العراق بالواو : ويقول الذين آمنوا . وقرأ ذلك قراء الكوفيين : ويقول الذين آمنوا بالواو ورفع يقول بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب . وتأويل من قرأ ذلك كذلك : فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون ، ويقول الذين آمنوا فيبتدئ يقول فيرفعها . وقراءتنا التي نحن عليها : ويقول بإثبات الواو في : ويقول ، لأنها كذلك هي في مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بالواو ، وبرفع يقول على الابتداء . فتأويل الكلام إذ كان القراءة عندنا على ما وصفنا : فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، ويقول المؤمنون : أهؤلاء الذين حلفوا لنا بالله جهد أيمانهم كذبا إنهم لمعنا . يقول الله تعالى ذكره مخبرا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم : حبطت أعمالهم يقول : ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر ، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرض واجب ولا على صحة إيمان بالله ورسوله ، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم ، فأحبط الله أجرها إذ لم تكن له فأصبحوا خاسرين يقول : فأصبح هؤلاء المنافقون عند مجئ أمر